ذكريات عبدا لحسين الشلاگه
ع - الديلمي - (الأهــواز)
عبدا لحسين الشلاگه ( مزباني) من الشخصيات التي ملؤها ذكريات مٌفعمة بالفكاهة، انه الرجل الذي صحبة التجوال من بداية حياته حتى استقّر في قرية(الزاهية) فأشبعته هذه الرحلات ثقافة ونوعّت من فكاهاته وجعلتها غنيّة كما جعلته هو يسرد القصة الفكاهية بلسان طلق ، حيث يستأنس لحديثه ويتوق لرؤيته كل من عرفه وصحبه في عشرته.
قصة (( الحمارالأعجمي المجنون)) هي من أقدم ذكرياته سمعتها منه فصغتها بالفصحى الشريفة، ذلك لأجل التسلية والتنوع والأهم من ذلك ممارسة الفصحى للقاريين بأسلوب سهل وجميل.
الحمارالأعجمي المجنون « شرف الله قدركم»
في تلك السنة لم يبقَ لحصاد الزرع إلا أيام قليلة ، لذلك كنت منشغلا بأعمال كثيرة كان يجب عليّ أن أنجزها قبل أن يصل وقت الحصاد ، توفير أدوات ، بعضها يُعدَ وبعضها يشتري من المدينة، مثل مناجل الحصاد ، قربة للماء، خرَق صوفية تقي الجسم من شدة الحَر، شبكة لحمل الزرع المحصود إلى مكان مناسب، والأهم من تلك الأدوات ، هو حمار قوي الجسم ، سريع المشي، مروَض لحمل الأثقال مع بردعة جديدة تليق بهي و تعطيه بهاء وزينة إمام الآخرون!
أنجزت الأعمال و وفرَت الأدوات ولم يبق إلا شراء العَون الكبير وهو حمارٌ تتواجد فيه تلك الصفات المعنية.
بعد الاجتماع الذي انعقد في بيت جارنا زاير علي ،قررت الرجال أن الحصاد سيبدأ في الأسبوع المقبل أي بعد ستة أيام من هذا اليوم.
عُدتُ راجعا إلى بيتي وقبل أيّ حديث بدأت أتكلم مع زوجتي حول شراء الحمار، كيف ومتى وأين؟
فأشارت إلي وأعطتني معلومات أفادتني وقررنا معا أن أذهب صباح يوم الغد إلى قرية الحسنيّه.
خرجت في بدایة الصبح وزوجتي تُزفوني وتعطیني اخر المعلومات لأنجاز مهمتي، ثم دفعت النقود ليّ وانطلقتُ ماشیا الی ان وصلت الی الحسنیة ولما دخلت في ازقتها صادفني رجلان، فسامت علیهما وأطلعتهما عن حاجتي ، فقال أحدهما : ان فلانا في تلک الناحیة . فانطلقت مسرعا وطرقت الباب واذا به رجلٌ « میم الخلق ، قصیر القامة، یتکلم بسرعة فایقة ، فلما سَلمت ُ علیه استلقاني بکلامه مسرعا ، فما أدرکت نفسي الا أنا في وسط مجموعة من الحمیر داخل بیته، فأشار الی واحد منها وقال : أقواهم هذه ومن اصل فارسي وبدأ یعد مواصفات له ومیزات لو وجدت عند بشر من الناس لکان أقوی وأسرع وأجمل وأنقی من أحد.
في تلک الحالة لا یسعني الا أن دفعت الیه ما طلب مني ثم دفعني نحو الحمار الفارسي وأخذ برجلي و وضعني فوق ظهره وجعل الحبل في یدي وقال ليّ: « شایف خیر»و ضرب بکفیه علی ظهر الحمار، وانطلق هذا بدوره.
انطلق الحمار مسرعا وکأنما تحدّر من جبل ، بینما أنا لا احیر أي کلام الا « الصلعمة» ولا أستطیع أي فعل الا أن مسکت بید الحبل والاخری علی رقبته وهو یقفز ویتعرّج من ناحیة ألی اخری،فما راعني الا وأنا مبتعد قدر میل من القریة، فبینما أنا بدأت لأتنفس الصعداء واذا برجل راکبا دراجة مقبل نحوي یسیر في الطریق فبدأ کالعادة بالسلام ، ولاکن لیته لم یسلّم، لأن سلامه هذا لم یکن أثره أقل من طلقة نار بین أذني حماري ، لقد اندفع الحمار وجعل یقفز ویرکل برجلیه وینهق، فتارة یدور في مکانه وتارة ینطلق الی الأمام وإنا منحن علیه وقابض علی رقبته بکل قوة وأنادي واستغیث. أما الرجل بقی حایرا في مکانه لا یعرف ماذا یفعل وکیف یخلصني من هذه البلّیة التي أثارها هو بنفسه وبسلامه الذي أمطر نا شرأ.
لم تطل هذه الرکلات والقفزات والنهیق والشهیق الا بضعة دقایق ، ثم جعل یدور بسرعة ، ففي هذه الحالة انزلقت منه وسقطت علی الارض.
أما هو فإبتعد عني مسافة قریبة ثم سکن.
بعد أن جُدتُ بنفسي وأفقت، قلت للرجل: اذهب، لا بأس علیک، ثم توجهت الیه ورکبته بکل حَذَر وابتعدت عن الطریق وتوجهت نحو القریة.
لما وصلت الی البیت، استقبلتني زوجتي مع الاطفال وفرحوا بما أتیت به لهم وأخذوه وربطوه وجعلوا یخدمونه ویغدقون علیه بالتبن والشعیر لیصبح بدینا قویا. أما أنا فلم أبح بسرّي لهم ولم أقل ماذا حدث لي، أملا أن یکون الحدث طاریا، لعله لا یتکرر، الی أن جاء یوم الحصاد.
عندما جاء یوم الحصاد، خرجت في اول الصبح راکباالحمار بینما کنت واضعا أطفالي، الأول أمامي والثاني خلفي وزوجتي ورائي وبیدها ما نحتاجه من أکل وشرب.
قطعنا مسافة لا تقل عن ألف متر واذا باحد جیراني راجع، متوجها نحوي لحاجة له عندي، فبدأتُ لأقول لا تسلّم ولکن سبقني وألقي سلاما من بعید.
واذا بالطامة الکبری قد حلت بنا، أقلع الحمار من مکانه وکأنه لم یرکبه ثلاثة أفراد مع أثاث اُخری، لقد جاش صدره للمرة الثانیه ودخلت الجنون في رأسه حیث استشاط غضبا ولکن هذه المره بسرعة فایقه وإلی الامام. اندفع إلی الامام وأنا اصرخ واستغیث وقد مسکت بولدي الامامي کل الامساک، أما الثاني فلا علمَ لي به، ولا أعرف ماذا حدث له أما زوجتي فماذا تستطیع أن تفعل؟! إنها تصرخ وتقول: عبدالحسین ، عبدالحسین !اولادي.
هذا اخر الکلام سمعته منها. بعد ذلک، اتجّه نحو میدان، في وسط القریة، حقا لقد أحدث ضوضاء، فمن مغیث یرید اغاثتي ومن مصفّر یرید تهییج حماري ومن مصفّق اعجبه منظري، والی جانب هؤلاء هي الکلاب والحمیر التي شرعت بالنباح والنهیق، والحمام التي یحوم فوق رأسي، هذه کله جعل یومي مع ذلک الحمار المشئوم ألا یُنسی.
واخیرا أتجّه الی ربیض من الغنم، فاغتنمت الفرصة لألقي بنفسي فیها، ولکن سرعان ما اقتحمها اقتحاما وجعلها بین مدهوسة واخری فارّة، ثم بعد ذلک انعطف وإقبل نحو البیت، والناس یتبعونني لینقذوني من هذه الورطة ولکن الحمار لم یعبأ بهم واستمر مسرعا حتی دخل البیت ثم جاء مباشرة حتی سکن عند معتلفه.
انتهت المغامرة ولکن لم أتمکن من النزول من علی ظهره، الی أن جاء احد الناس وأنزل الطفل الذي نفذت قدرته بکاءً ثم ساعدني لأضع رجلي في الارض المأمونة.

